أبو حامد الغزالي

19

تهافت الفلاسفة

فهل كان « ابن سينا » يعنى ما جاء في الشطر الثاني وإنما ذكر الأول تقية ؟ هذا محتمل ، أم هو الاضطراب الذي كان ظاهرة شائعة في الفلسفة الإسلامية ، من جراء إيمان أصحابها بمصدرين مختلفين ، واعتقادهم فيهما العصمة والنزاهة عن الخطأ ؟ إن كان الأول فلماذا لم يستشعر ابن سينا التقية في غير هذه المسألة ، مما لا يقل خطره في نظر خصومه عن خطرها ، كالقول بقدم العالم ؟ وإن كان الثاني ، فكيف غاب عنه هذا التناقض الواضح بين الجانبين ، فإن كلا منهما ينفى ما يثبته الآخر ؟ في الحق أن موقف ابن سينا في هذه المسألة غامض ، ورأيه فيها مضطرب . ولكن هل يحق للناقد المنصف أن يسجل عليه أحد الجانبين ويضرب بالآخر عرض الحائط ؟ وإن حق له ذلك ، فهل هو بالخيار بين أن يغفل أي الجانبين شاء ؟ » هذا ما قلته - في الطبعة الأولى - تعليقا على نص « النجاة » و « الشفاء » المتعارض بعضه مع بعض ، وتعليقا على موقف الغزالي الغامض أيضا بالنسبة لي في ذلكم الوقت ، وبالرغم من أن هذا هو الذي انتهيت إليه - آنئذ - فقد ظللت غير مرتاح ، لا إلى موقف ابن سينا في تردده واضطرابه ، ولا إلى موقف الغزالي في افتياته وتهجمه . هكذا صورت الرجلين في ذلكم الوقت : أحدهما مضطرب متردد . والآخر مفتات متهجم . ثم لبثت غير مطمئن إلى هذا التصوير ، إلى أن ساقت لي الصدفة مخطوطا صغيرا لابن سينا ، عنوانه : « رسالة أضحوية في أمر المعاد » فلما قرأته وجدته صريحا في إنكار البعث الجسماني ، ووجدته يشتمل على نفس الدليل الذي حكاه الغزالي في التهافت على لسان الفلاسفة ، فيقول ابن سينا في هذا المخطوط :